ابن تيمية

52

مجموعة الرسائل والمسائل

ولا ينقص منه قطرة ، ولا يزيد في طول الإنسان ولا ينقص منه ، ولا يغير شيئاً من صفاته ولا حركاته ولا سكناته ، ولا ينقل حجراً عن مقره ، ولا يحول ماء عن ممره ، ولا يهدي ضالاً ولا يضل مهتدياً ، ولا يحرك ساكناً ولا يسكن متحركاً . ففي الحملة لا يقدر إلا على ما وجد ، لأن ما وجد فعينه ثابتة في العدم ولا يقدر على أكثر من ظهوره في تلك الأعيان . وهذا التجلي والتعجيز الذي ذكره وزعم أنه هو سر القدر وإن كان قد تضمن بعض ما قاله غيره من الضلال ففيه من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين . فإن القائلين بأن المعدوم شيء يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن ، ولا يجعلون علمه بالأشياء مستفاداً من الأشياء قبل أن يكون وجودها ، ولا خلقه وقدرته مقصورة على ما علمه منها ، فإنه يعلم أنواعاً من الممكنات لم يخلقها . فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه ، ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما خلق هو كون الأعيان الثابتة في العدم لا تقبل سوى هذا الوجود ، بل يمكن عندهم وجودها على صفة أخرى ، هي أيضاً من الممكن الثابت في العدم . فلا يفضي قولهم لا إلى تجهيل ولا إلى تعجيز من هذا الوجه . وإنما قد يقولون المانع من ذلك أن هذا هو أكمل الوجوه وأصلحها ، فعلمه بأنه لا أكمل من هذا يمنعه أن يريد ما ليس أكمل بحكمته فيجعلون المانع أمراً يعود إلى نفسه المقدسة حتى لا يجعلونه ممنوعاً من غيره ، فأين من لا يجعل له مانعاً من غيره ولا راد لقضائه ممن يجعله ممنوعاً مصدوداً ؟ وأين من يجعله عالماً بنفسه ممن يجعله مستفيداً للعلم من غيره ؟ وممن هو عني عنه ؟ هذا مع أن أكثر الناس أنكروا على من قال : ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم . الثالث أنه رغم أن من الصنف الذي جعله أعلا أهل الله من يكون في علمه بمنزلة علم الله ، لأن الأخذ من معدن واحد إذا كشف له عن أحوال الأعيان الثابتة في العدم فيعلمها من حيث علمها الله ، إلا أنه من جهة العبد عناية من الله سبقت له